محمد بن جرير الطبري
160
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
ظهْري " ، بمعنى : جُوعَ أهله وعياله وعُرْيَ ظهورهم ، فكذلك قوله : " إلا لنعلم " ، بمعنى : يعلم أوليائي وحزبي . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . * ذكر من قال ذلك : 2208 - حدثني المثنى قال ، حدثنا أبو صالح قال ، حدثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : " وما جَعلنا القبلةَ التي كنت عليها إلا لنعلم من يتّبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه " ، قال ابن عباس : لنميّز أهلَ اليقين من أهل الشرك والريبة . * * * وقال بعضهم : إنما قيل ذلك ، من أجل أن العرَب تَضع " العلم " مكان " الرؤية " ، و " الرؤية " مكان " العلم " ، كما قَال جلّ ذكره : ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ) [ سورة الفيل : 1 ] ، فزعم أن معنى " ألم تر " ، ألم تعلم ؟ وزعم أن معنى قوله : " إلا لنعلم " ، بمعنى : إلا لنرى من يتبع الرسول . وزعم أنّ قول القائل : " رأيتُ ، وعَلمت ، وشَهدت " ، حروفٌ تتعاقب ، فيوضَع بعضها موضع بعض ، كما قال جرير بن عطية كَأَنَّكَ لَمْ تَشْهَدْ لَقِيطًا وَحَاجِبًا . . . وَعَمْرَو بن عَمْرٍو إذْ دَعَا يَالَ دَارِمِ ( 1 ) بمعنى : كأنك لم تعلم لَقيطًا ، لأنّ بين هُلْك لَقيط وحاجب وزمان جرير ، ما لا يخفى بُعده من المدة . وذلك أنّ الذين ذكرهم هلكوا في الجاهلية ، وجريرٌ كان بعد بُرْهة مَضَت من مجيء الإسلام . * * *
--> ( 1 ) ديوانه : 563 ، والنقائض : 409 ، من قصيدته الفالقة ، في نقض قصيدة الفرزدق . وقد عدد فيها أيام قومه . والخطاب في قوله : " كأنك " للفرزدق ، ويذكر " يوم جبلة " ، وهو من أعظم أيامهم ، وكان قبل الإسلام بأربعين سنة ، عام ولد النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو لعامر وعبس ، على ذبيان وتميم . وقتل يومئذ لقيط بن زرارة ، وأسر حاجب بن زرارة ، وأسر عمرو بن عمرو بن عدس ، وهم من بني عبد الله بن دارم ، وهم عمومة الفرزذق ، وهو من بني مجاشع بن دارم . ورواية الديوان والنقائض : " إذا دعوا " ، وكلتاهما صحيحة المعنى .